متى وكيف روسيا تستخدم الاسلحة النووية ! ماهي العقيدة النووية الروسية ؟

منذ اللحظة الأولى لعملية الروسية في اوكرانيا ، اتبعت الإدارة الروسية خطابًا نوويا صادمًا وكثيفًا في تهديد الناتو، يتّضح ذلك سواء في تصريحات بوتين نفسه أو أيٍّ من رجاله، مثل وزير الخارجية سيرجي لافروف الذي قال في مقابلة تلفزيونية إن الخطر النووي جاد وحقيقي، ويجب ألا نُقلِّل من شأنه، وإن الحرب العالمية الثالثة ستكون نووية ومدمِّرة.

كانت هذه التهديدات النووية فعالة إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال تراجع الناتو بالفعل عن فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، الأمر الذي أنذر بالدخول في معركة مباشرة مع الروس، لكنها لم تمنع الحلف من إمداد الأوكران بالكثير من الطائرات والأسلحة الثقيلة والخفيفة، بل وتدريب القوات الأوكرانية في دول الحلف، حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد أن قدَّم مؤخرا دفعة من الأسلحة المتنوعة بقيمة 800 مليون دولار إلى الجيش الأوكراني، كان قد طالب الكونغرس قبل عدة أسابيع بالموافقة على تقديم مساعدة قيمتها 33 مليار دولار لأوكرانيا، كل ذلك يُمثِّل إجراءات تصعيدية في مواجهة الروس.

ليست هذه المرة الأولى التي يُهدِّد فيها بوتين بالنووي، حدث الشيء نفسه عام 2014 أثناء الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، حيث تحدَّث القادة الروس علنا عن وضع الأسلحة النووية في حالة تأهُّب، وفي عام 2015 هدَّدت روسيا السفن الحربية الدنماركية بأسلحة نووية إذا انضمت الدنمارك إلى نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو().

لكن أثناء كل ذلك التبادل في التصعيد، ينسى البعض أننا فقط نتحدث عن نوع محدد من السلاح النووي قد تكون احتمالات استخدامه الآن ضعيفة إلى حدٍّ كبير، وهو السلاح النووي الإستراتيجي، الذي يُمثِّل الثالوث النووي لأي دولة، المكوَّن من الصواريخ البالستية العابرة للقارات (ICBMs) والصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات (SLBMs)، والطائرات قاذفات القنابل الثقيلة المُجهَّزة بأسلحة نووية، وجميعها يمكن أن يضرب أهدافا بعيدة عن الدولة، على مسافة آلاف الكيلومترات، ليُسبِّب ضررا بالغا.

نووي في أرض المعركة

إلى جانب النووي الإستراتيجي، هناك نوع آخر من الأسلحة، يُسمى “السلاح النووي التكتيكي”أو “السلاح النووي غير الإستراتيجي”، وهو سلاح يمكن أن يُستخدم في ساحة المعركة، فالقنابل النووية التكتيكية لا تُستخدم لتدمير مدن كبيرة أو إنهاء الحرب، بل هي أسلحة قصيرة المدى تُستخدم في نطاقات ضيقة، غالبا مع وجود قوات صديقة على مقربة وربما في منطقة صديقة متنازع عليها، قد يُستخدم هذا النوع من السلاح لتدمير رتل دبابات مثلا أو مطار كبير أو إحدى الكتائب التي تتحرك باتجاه الجيش في أرض المعركة، بالتالي يُعَدُّ السلاح التكتيكي أداة لتحقيق مكاسب محدودة، والحصول على بعض المزايا في مسرح العمليات، وليس القضاء نهائيا على العدو.

في تلك النقطة دعنا نتعلم قليلا عن الكيفية التي يُقدَّر بها حجم العائد أو الطاقة التفجيرية الخارجة من السلاح النووي، حيث يُعبَّر عنها بالكمية المقابلة من مادة “ثلاثي نترو التولوين” (TNT) التي ستُولِّد الكمية نفسها من الطاقة عندما تنفجر.

وبالتالي، فإن السلاح النووي الذي يعطي 1 كيلو طن هو السلاح الذي ينتج كمية الطاقة نفسها في انفجار 1 كيلو طن (1000 طن) من هذه المادة. وبالمثل، فإن السلاح الذي تبلغ قوته 1 ميغا طن سيكون له طاقة تعادل تفجير مليون طن من مادة ثلاثي نترو التولوين. انفجار مرفأ بيروت 2020، الذي أُطلق عليه مصطلح “بيروتشيما” تشبيها بما جرى لمدينة هيروشيما لكنه لم يكن نوويا، قُدِّر بقوة تساوي نحو 1 كيلو طن، أما القنبلة اليدوية الشهيرة في الحروب، التي تظهر في كثير من الأفلام، فتحتوي فقط على ما مقداره 50-60 غراما من ثلاثي نترو التولوين!

قالت وزارة الخارجية الروسية  إن موسكو ليست لديها مصلحة في مواجهة مباشرة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة الأميركية، وإنها ستستخدم سلاحها النووي في حالة واحدة.وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية إيفان نيتشايف في إفادة صحفية أن الأسلحة النووية ستستخدم فقط كإجراء “للرد”، وأن بلاده لن تستخدم ترسانتها النووية إلا في “حالات الطوارئ” فقط.وقال وزير الدفاع الروسي إن موسكو “ليست في حاجة” لاستخدام الأسلحة النووية خلال حملتها العسكرية في أوكرانيا، واصفا تكهنات وسائل إعلام بأن موسكو قد تنشر أسلحة نووية أو كيميائية في الصراع بأنها “محض أكاذيب”.

صواريخ فرط صوتية في كالينينغراد

وفي السياق ذاته، أعلنت روسيا أنها نشرت الخميس طائرات مزودة بصواريخ فرط صوتية في كالينينغراد، مع تصاعد التوتر حول هذا الجيب الروسي المحاط بدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي بذروة النزاع في أوكرانيا.وقالت وزارة الدفاع الروسية ببيان لها “في إطار اتخاذ تدابير إستراتيجية للردع الإضافي، أعيد نشر 3 طائرات “ميغ-31″ مزودة بصواريخ فرط صوتية في مطار تشكالوفسك بمنطقة كالينينغراد”.

وأضافت أن الطائرات الثلاث ستشكل وحدة قتالية “عملية طوال 24 ساعة”.والصواريخ الباليستية فرط الصوتية “كينغال” وتلك العابرة “زيركون” تندرج في إطار أسلحة جديدة طورتها روسيا، ويرى رئيسها فلاديمير بوتين أنها “لا تقهر” لأنها تستطيع الالتفاف على أنظمة دفاع العدو، وفق قوله.

وأعلنت روسيا مرارا أنها استخدمت صواريخ فرط صوتية في إطار الحرب التي تشنها منذ فبراير/شباط الماضي في أوكرانيا.

العقيدة النووية الروسية

وفي وقت سابق استعرضت صحيفة “لوباريزيان” (Le Parisien) الفرنسية ما تنص عليه العقيدة العسكرية الروسية بشأن الأسلحة النووية، وذلك على إثر تصريح للمتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف ردا على سؤال لشبكة “سي إن إن” (CNN) الدولية عن احتمال استخدام موسكو أسلحة نووية إذا كان هناك “تهديد وجودي” لروسيا.

وعلقت “لوباريزيان” على ذلك بقولها إن هناك بالفعل -كما ذكر بيسكوف- وثيقة نشرتها موسكو في يونيو/حزيران 2020 توضح بالتفصيل العقيدة النووية الروسية. وأبرزت الصحيفة أن المرصد الفرنسي الروسي، وهو مركز أبحاث مهمته توفير خبرة معمقة بشأن روسيا، راجع هذه الوثيقة.

ونسبت له القول إن المادة 27 من هذه الوثيقة تنص على أن “روسيا ستقدم على استخدام الأسلحة الذرية ردّا على استخدام الخصم الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ضد روسيا و/أو ضد أحد حلفائها، وكذلك في حالة الاعتداء على الاتحاد الروسي بالأسلحة التقليدية عندما يكون وجود الدولة في حد ذاته مهددا”.

وتحدد المادة 19 التهديدات التي تستدعي الرد النووي الروسي فيما يأتي:

1- معلومات موثوقة عن إطلاق صاروخ باليستي ضد روسيا و/أو ضد حلفائها.

2- استخدام الخصم للأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل ضد أراضي روسيا و/أو ضد أراضي أحد الحلفاء.

3- عمل عدواني ضد البنية التحتية الحيوية (العسكرية أو المدنية) يمكنه تقويض قدرة روسيا على تنفيذ الضربة الثانية.

4- اعتداء على روسيا بأسلحة تقليدية يحتمل أن يثير التساؤلات حول وجود الدولة ذاته.

ورغم هذه التفاصيل، فإن تقرير المرصد الفرنسي الروسي يرى أن ما جاء في هذه الوثيقة “يسهم في زيادة كثافة الضبابية بشأن استخدام السلاح النووي أكثر مما يبددها”.

ذكرت “مجلة علماء الذرة” الأميركية أن روسيا تمتلك أكبر ترسانة نووية في الوقت الراهن، وتبلغ 8500 رأس نووي. وتستأثر موسكو وواشنطن بحوالي 90% من مخزون الأسلحة النووية في العالم.

وبصفتها الوريث الوحيد تقريبا لمخزونات الأسلحة السوفياتية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، تمتلك روسيا 4500 رأس نووي استراتيجي واحتياطي (ما زالت في المخازن)، كما ذكر تقرير نشرته المجلة في مايو الماضي. وأضاف أن حوالى 4000 رأس آخر ينتظر تدميره في روسيا.

وتضم الترسانة النووية الروسية الموضوعة في الخدمة، 1800 رأس استراتيجي مثبت على صواريخ بالستية عابرة للقارات، وصواريخ بالستية تطلق من على متن غواصات وقاذفات استراتيجية، و2700 رأس استراتيجي وتكتيكي ما زالت في الاحتياط، كما تقول المجلة الأميركية.

ولا تكشف وزارة الدفاع الروسية عن معلومات تتعلق بمخزونات الأسلحة النووية الروسية، مصنفة إياها بأنها معلومات سرية، لكنها تبلغ واشنطن بها بصورة مستمرة في إطار اتفاق روسي-أميركي.

وتمتلك الولايات المتحدة في الوقت الراهن ثاني أكبر ترسانة نووية في العالم مع حوالى 7700 رأس نووي، كما يفيد تقرير المجلة الأميركية الذي يوضح أنه يستند إلى المعلومات التي تعود إلى مارس 2013.

وقد تعهدت الولايات المتحدة ورسيا، العدوان السابقان في الحرب الباردة، بخفض ترسانتيهما النوويتين في إطار معاهدة ستارت لنزع السلاح النووي.

وهذه المعاهدة التي وقعت في 2010 لمدة 10 سنوات، دخلت حيز التطبيق في فبراير 2011، فأتاحت استئناف عمليات التحقق المتبادلة للأسلحة النووية للقوتين العظميين التي توقفت أواخر 2009 بعد انتهاء صلاحية اتفاق ثنائي سابق لنزع السلاح يرقى إلى 1991.

وتنص معاهدة ستارت الجديدة على حد أقصى من الرؤوس النووية يبلغ 1550 لكل من البلدين، أي ما يعني خفضا بنسبة 30% بالمقارنة مع 2002.

وتشير احصائيات اخرى

اذ ان كل إحصاءات الأسلحة النووية تقديرية ولكن، طبقا لاتحاد العلماء الأمريكيين (منظمة غير حكومية)، يمتلك الروس 5,977 رأسا حربيا نوويا – وهي المسؤولة عن إطلاق التفجير النووي- على أن هذا العدد يتضمن حوالي 1,500 رأسا خارج الخدمة.

أما الـ 4,500 رأسا المتبقية فتعتبر في معظمها سلاحا استراتيجيا – سواء كانت صواريخ باليستية، أو صواريخ أخرى، يمكن تصويبها على مسافات بعيدة. وتلك هي الأسلحة التي عادة ما تصاحب الحرب النووية.

الأسوأ من ذلك أن العقيدة النووية الروسية تفتح الباب حاليا بهذا النوع من التدرج، لفهم أعمق لتلك النقطة يمكن أن نتأمل وثيقة من ست صفحات نشرتها الحكومة الروسية 2 يونيو/حزيران 2020 تُحدِّد منظورها بشأن الردع النووي، بعنوان “المبادئ الأساسية لسياسة الدولة للاتحاد الروسي بشأن الردع النووي”19، وفيها يُعَدُّ التهديد الروسي بالتصعيد النووي أو الاستخدام الفعلي الأول للأسلحة النووية سلوكا من شأنه أن يؤدي إلى “خفض تصعيد” النزاع بشروط تخدم روسيا.

سياسة “التصعيد بغرض خفض التصعيد”20 (Escalate To De-Escalate) تعني ببساطة أن الروس قد يقفزون للخيار النووي في حالة هجوم غير نووي من قِبَل الخصم وجود الدولة نفسه في خطر، هذا النوع من التصعيد النووي يُهدِّئ الطرف الآخر ويُخفِّض من حِدَّة تصريحاته أو خطواته القادمة، كان هذا واضحا في التهديدات النووية التي انهالت على الناتو من قِبَل الحكومة الروسية في بداية الحرب الأوكرانية.

لهذه العقيدة تاريخ طويل متعلق بأن السلاح النووي هو أفضل الطرق في حالات الضعف، فحينما تراجع الاتحاد السوفيتي سياسيا وعسكريا خلال الحرب الباردة، ثم مع انهياره، كان الضامن الوحيد بالنسبة للروس هو السلاح النووي، بحيث مَثَّلَ أداة ردع رئيسية، وحتى مع خفض أعداد الرؤوس النووية -إستراتيجية كانت أو تكتيكية- كان الروس على وعي تام بضرورة أن يمتلكوا ما يكفي لمنع تهديد وجودهم، وهم الآن يشعرون بأن وجودهم ذاته مُهدَّد أثناء الحرب مع أوكرانيا.

في تلك النقطة، يبرز السلاح النووي التكتيكي أداة لتصعيد متدرج من قِبَل الروس (والناتو على حدٍّ سواء)، لكن النهاية الحتمية للحرب التي تُستخدم فيها الأسلحة النووية التكتيكية هي كارثة بكل المقاييس، فصعود درجة واحدة من هذا السلّم ترفع جدا احتمال أن تستمر في الصعود، وفي مرحلة ما قد لا تتمكَّن من الرجوع، حتّى إن رغبت في ذلك. هذا ولم نتحدث بعد عما ستُثيره تحركات كتلك من رغبة دول أخرى، لم تشارك في الحرب، في تطوير قدراتها النووية، ويرتفع عدد الرؤوس النووية في العالم من جديد في سباق تسلح يعلم الله وحده إلى أي مدى سيصل، بعد أن وصل إلى حدٍّ أدنى حاليا يساوي 15 ألف رأس حربي بعد نهاية الحرب الباردة.

أول وآخر استخدام للسلاح النووي، من كل الأنواع، سواء كان إستراتيجيا أو تكتيكيا، حدث في اليابان سنة 1945، كلما ظهر صراع جديد ننتظر أن ينكسر ذلك الصيام، ويرتعب العالم من يوم يحدث فيه الاستخدام الثاني، لكن في المرة الأولى كان الأميركان فقط يستخدمون الرؤوس النووية، أما الآن فهناك جوقة واسعة من الاحتمالات، أحلاها مُرّ إلى درجة لا تتصورها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر لغتك
%d مدونون معجبون بهذه: